ابن قيم الجوزية
620
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأمر اللّه رسوله أن يسأله المزيد منه فقال : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . وحرم اللّه صيد الجوارح الجاهلة ، وإنما أباح للأمة صيد الجوارح العالمة . فهكذا جوارح الإنسان الجاهل لا يجدي عليه صيدها من الأعمال شيئا . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . تعريف العلم قال صاحب المنازل رحمه اللّه : « العلم ما قام بدليل . ورفع الجهل » . يريد : أن للعلم علامة قبله ، وعلامة بعده . فعلامته قبله : ما قام به الدليل . وعلامته بعده : رفع الجهل . درجات العلم قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : علم جليّ . به يقع العيان . واستفاضة صحيحة ، أو صحة تجربة قديمة » . يريد بالجليّ : الظاهر ، الذي لا خفاء به . وجعله ثلاثة أنواع : أحدها : ما وقع عن عيان . وهو البصر . والثاني : ما استند إلى السمع . وهو علم الاستفاضة . والثالث : ما استند إلى العقل . وهو علم التجربة . فهذه الطرق الثلاثة - وهي السمع ، والبصر ، والعقل - هي طرق العلم وأبوابه . ولا تنحصر طرق العلم فيما ذكره . فإن سائر الحواس توجب العلم . وكذا ما يدرك بالباطن . وهي الوجدانيات . وكذا ما يدرك بخبر المخبر الصادق ، وإن كان واحدا . وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط . وإن لم يكن عن تجربة . فالعلم لا يتوقف على هذه الثلاثة التي ذكرها فقط . والفرق بينه وبين المعرفة من وجوه ثلاثة : أحدها : أن « المعرفة » لب العلم ، ونسبة العلم إليها كنسبة الإيمان إلى الإحسان ، وهي علم خاص ، متعلقها أخفى من متعلق العلم وأدق . والثاني : أن « المعرفة » هي العلم الذي يراعيه صاحبه بموجبه ومقتضاه . فهي علم تتصل به الرعاية . والثالث : أن المعرفة شاهد لنفسها ، وهي بمنزلة الأمور الوجدانية ، التي لا يمكن صاحبها أن يشك فيها ، ولا ينتقل عنها . وكشف « المعرفة » أتم من كشف العلم . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . قال : « الدرجة الثانية : علم خفيّ . ينبت في الأسرار الطاهرة ، من الأبدان الزاكية . بماء الرياضة الخالصة . ويظهر في الأنفاس الصادقة ، لأهل الهمة العالية ، في الأحايين الخالية ،